شربل، يا صديقي الشاعر/ سوزان بعيني

أديبة مجدلاوية كبيرة فازت بجائزة شربل بعيني
شربل، يا صديقي الشاعر..
قد تكون هذه الرسالة العاشرة التي أبعث بها إليك، والوحيدة التي خططت كلماتها على ورقة.
أما الباقيات، فوشوشات ومناجاة، كان عليّ أن أترجمها أحرفاً قبل الآن، إنّما بقيت أضغاث أحلام، وبقيت أنت في الفكر والوجدان.
شكراً على هديّتك الثـمينة، التي أتتني من خلف البحار، ورائحة شربين مجدليّا عالقة بكلّ صفحة من صفحات هذه الدواوين القيّمة.
شربل الصغير، الذي كان يكتب الشعر على عيون مجدليّا، وخلف دير مار الياس، وتحت كينة الكنيسة، وأمام دكّانة خرستين.
شربل المراهق الذي نظم لعينيّ كل فتاة مجدلاويّة، وكلّهن جميلات، شعراً.
شربل الشاعر، الذي زيّن بيوتات مجدليّا بديوانيْ مراهقة و قصائد مبعثرة.
شربل الذي سار هذه الدرب الطويلة بين مجدليّا وسيدني، أصبح اليوم (شاعر المهجر الأول)، يوقظ الضمائر، يستلّ سيف الحقّ، ويشهره بوجه تجّار الوطن، يخطّ تيّاراً جديداً، ويخلق نهضة أدبيّة وفكريّة، ويصبح بذلك (سفيراً فوق العادة). فهو يحمل الوطن للمغتربين، ويحمل أستراليا، بلاد الإغتراب، إلى الوطن الأم لبنان.
كل المواعيد تحقّقت بك يا صديقي، وهنيئاً لمجدليّا يرفع إسم مجدها عالياً إبنها البار شربل سركيس بعيني.
كنت أتمنّى أن أحصل على مؤلّفاتك كلّها، لتكتمل مجموعتي، ويزداد بك فخري واعتزازي. فديوانيْ مراهقة و قصائد مبعثرة احترقا مع ما احترق من مكتبتي ومكتبة والدي القيّمة، يوم أحرق بيتنا في 27 آذار 1976.
ومؤلفاتك في بلاد المهجر لـم يصلني منها سوى: الغربة الطويلة، مجانين، من كل ذقن شعرة، ومن خزانة شربل بعيني. وقد تهافت أهل البيت على قراءتها بدءاً بوالدتي، التي تسألني كل يوم: هل كتبت إلى شربل؟.. هل أهديته سلامي؟.. هل قلت له إنني أصلّي كي أراه في الوطن قبل أن أموت؟.. ومروراً بأولاد أخي الصغار منهم والكبار.
أجمل ما في كتاباتك، أنك تقطف من كل البساتين أجمل الباقات وأحلى الزهور.
تتنقّل ما بين الشعر اللبناني المرهف، والشعر العربي الفصيح، والنثر الساخر، والقصيدة الحديثة، وتبدع في كل نوع تتناوله.
لا أعلم.. هل صدر لك حديثاً شيء جديد؟ أكون لك شاكرة إن زوّدتني به.
شكراً لكلارك بعيني الذي أثبت فعلاً أنه أديب مرهف، إذ جمع لك كل ما قيل عنك، وأتحفنا بكتاب قد يكون فريداً من نوعه. هل صدر رقم ـ2ـ.
أنا مشتاقة إلى أخباركم الأدبيّة والإجتماعيّة، لا تبخلوا بها عليّ. أتمنى لو أحصل دوماً حتى على المقالات التي تنشرها في الصحف هناك.
لا أدري في النهاية، هل أقول: تبّاً للغربة التي سلبتنا الشاعر؟ أم: شكراً للغربة التي بلورت موهبتك الشعريّة، وجعلت منك (شاعر المهجر الأول)؟".
25 تمّوز 1988
**
ليلة عيد الميلاد
"صديقي شربل..
تائهون في الصحراء، كما المجوس، نبحث عن نجمة الخلاص وباب الأمل، بينما العواصف الرمليّة تتقاذفنا من كل جهة.
عجيب أن أكتب لك ذلك في ليلة عيد الميلاد، عيد الأمل والحق والسلام.
السلام؟ نتوق إليه، نتضرّع إليكم أن تصلوا من أجله.
نشتاق إليكم في الأعياد، وعلى أمل لقياكم، نطلب من الطفل الصغير أن يقودنا وإياكم إلى الخلاص".
ألـم أقل لكم أننا بحاجة إلى معجزات إلهيّة كي تتوقف قافلة التشرّد عن الوطن، بعد أن بدأت الدول الراقيّة ترفض لجوءنا إليها؟.. فلقد تبيّن لها أن حبل اللاجئين العرب أطول من يوم الدينونة، وأن تشرّد الشعب العربي من جور حكّامه، وأنظمته التعسفيّة، أكبر من أن تستوعبه الدول، ومنظمات حقوق الإنسان. إنه كابوس حقيقي أطلّ على العالـم، ولا ينقذ العالـم منه، إلاّ انتفاضة الشعب العربي ذاته، وإحقاق حقّه الإنساني والإجتماعي والديموقراطي بدمه الطاهر.
**
شاعر قريتي
أيها الحبيب شربل..
يا شاعر قريتي، يا شاعر لبنان..
سنة جديدة تتهيّأ لاستقبال الأيّام، وشبح الحرب يبتعد عن لبنان إلى غير رجعة، إن شاء اللـه.
على عتبة السنة 1992، هل تجوز لنا الأمنيات من جديد؟!
هل يعود إلينا الحلم؟!
هل يمكننا، بعد، الترجّي؟!
أمنيتي أن يعود السلام إلى وطني.
حلمي أن يعود أبناء وطني إلى وطني.
أمّا رجائي، فهو أن أرى وجهك من جديد يملأ شوارع قريتي، بعد أن شرّدتك الحرب في دروب الغربة.
أن أرى بيتك الصغير المهجور يفتح أبوابه للراحة والدفء، ويفتح نوافذه العتيقة، فيشع منها النور من جديد.
هل تحمل السنة الجديدة وعداً للأمنيات القديمة؟.
مجدليا 1991
**
أيها النسر المحلّق
شربل،
أيها العزيز،
يا صديق الأدباء،
وحبيب الشعراء.
أيها النسر المحلّق أبداً نحو السماء.
يا من حملت في قلبك لبنان
ومجدليا الى كل الأجواء.
شكراً لك!
منذ زمن بعيد..
لم يعد يجمل إلينا البريد
الرسائل..
والهدايا.
فعصر التكنولوجيا حرمنا من كل تلك الملذات!..
وعلى غير عادة،
يحمل إليّ ساعي البريد،
في هذا الصباح الجميل كتابيْ:
ـ شربل بعيني شاعر العصر في المغتربات
للأديب نعمان حرب.
ـ عزيزي شربل بعيني
للعزيز الراحل د. عصام حداد.
.. وهكذا أنت تأتي من دون موعد،
وتدخل من دون استئذان،
فتحلّ ضيفاً طيّباً على قهوتي الصباحية،
في حديقة منزلي القروي المجدلاوي.
أن تلهم الأدباء والشعراء،
فهذا ليس بجديد،
وقد كتبت عنك المجلدات...
وأن تكون الصديق الوفي للصغار والكبار،
فتلك ميزة شربل ابن البعيني،
وابن مجدليا البار،
الذي تربّى على محبّة الناس،
ونصرة قضاياهم،
والوفاء لذكراهم.
شربل الحاضر دوماً
والمتأهّب للاستقبال والتكريم
والضيافة المادية والمعنوية.
شربل..
يا صديقي البعيد
والقريب دوماً وأبداً،
لقد بكيت عصام حداد، وبحرقة، مرّتين:
الأولى، عندما غادرنا على غفلة..
والثانية، عندما قرأت ما كتب عني
ونحن لم نجتمع،
إلا على اسمك،
ولبضع هنيهات.
ووددت لو كنت سمعت منه هذا الكلام الرائع،
لكنه فضّل أن يقوله لك،
وقد قمت أنت حتماً بواجب الشكر والامتنان.
رحمه الله.
أعرف كم حزن قلبك على فراقه،
عزاؤك أنك احتفيت به كما يفعل الكبار،
وحملت الفرح الى قلبه الكبير
الذي اعتز بصداقتك..
وها أنت تحيي ذكراه الى الأبد.
قد يفرحك أن تقرأ ما قلته فيه،
حين قدّمته في تلك الأمسية الشعرية الرائعة
من ليالي "البيت الثقافي" النيرات عام 1992.
لذا ارسل لك طيّه نسخة عن هذه المقدمة.
عزيزي شربل (كما يقول عصام)..
شكراً لكل ما قدمته وتقدّمه للوطن
والانسان،
والأدب..
هل تعلم أن الوطن بغربة عنك،
وأنت مشغول عنه في الغربة؟
هل تعلم أن مجدليا مشتاقة اليك؟
الى متى ستدوم غربتها؟
صديقتك التي تفخر بك.
مجدليا، 6/6/2014
**