شربل بعيني وألوان الغربة: مدرسة جديدة في الأدب المهجري/ د. جورج مارون

أديب لبناني معروف

       ما أقسى الغربة، وما أضنى قرار السّفر. حشرجات يغصّ بها حلق المسافر. دمعات كاوية عالقة في المآقي، تعبّر عن أنين الجسد ووجع القلب قبيل الفراق، تراقب شعاعات الشّمس الفاترة عند الغروب، كأنّها تودّع الأرض الدافئة في آخر نظرة أو لقاء، وتغيب الوجوه عن الشاطىء المنبسط خلف البحار في بلاد أسيرة تتكىء على صدر جزر من الإنكفاء والعزلة، غزتها أرجل عربات الحضارة، وجحافل من دخان المصانع وهدير الآلات تحوّل الأرض إلى بركان مشتعل، لا تخمد ناره، ولا ينطفىء أواره، يطوي الحياة في عروق الثواني وأحداق اللحظات، إنها الغربة، ما أتعسها تنساب على صدرها جداول النجوى والحنين، تحمل الرسائل والآهات إلى الوطن، تتذكّر حكاية الماضي والطفولة الغابرة، تشتاق إلى صفاء الحياة وسكينة الطبيعة في جبال لبنان، إلى خرير المياه جاريات في السفوح والبطاح، تنشد أغاني الوجود بأرقّ الأنغام وأعذب الألحان، تهفو إلى عبق الأزهار والثـمار، يتضوّع من شرايين الأودية المقدّسة، وظلال أفياء غابات الأرز الشاهقة.
    بين أنفاس هذه الغربة يغنّي شاعر لبناني أناشيد الحب والجوى، يعزف ألحان السفر وترانيم الجداول، يعتصر قلبه أسى، يكتوي بنار الصبابة، يكابد اللوعة والبعد عن الأهل والوطن. إنه الشاعر شربل بعيني، حامل قيثارة الحبّ المتجدّد وراء البحار، يبثّها شوقه اللاهب، وحنينه المشتعل إلى مراتع الطفولة، وملاعب الصبا، إلى الأرض التي حبا عليها فتنشّق نسيمات الحريّة مع هوائها، وتلقّى المبادىء والفضائل القويمة، فتربّى على السماحة والمثل، وازداد تشبّثاً بأرض الوطن، يرفض التخلّي عنها، ولكنّ التجارب المرّة، وسنين المحنة العجاف، وما خلّفته من واقع مشؤوم مشوب بالقلق والحذر والضياع، دفعت بشاعرنا إلى مغادرة قريته مجدليا الهادئة الساكنة في جبين الساحل المشرق شمالي لبنان. تلك القرية التي أنس إلى موسيقى أوراق أشجارها الوارفة، فكتب تحت ظلالها أولى قصائده، معبّراً فيها عن باكورة التجارب في حياته، لكنّه تركها مرغماً فغدا كطائرٍ يجوب الآفاق بحثاً عن الصفاء والسكينة، فكانت أستراليا محطّته البارزة، وفي تلك الأصقاع استقرّ شاعرنا، ولكنّ باله لـم يهدأ، فظلّ الحنين يشدّه إلى الأهل والوطن، فتتجدّد الذكريات، وتتفجّر ألماً، ويدوب قلب شربل على الشاطىء، وهو ينتظر سفينة العودة لتنقله إلى لبنان، ويسيل قلبه شعراً متدفّقاً يتلظّى بنار الحبّ، يترك صداه في قلب الشاعر من خلال مجموعة من الدواوين الشعريّة نظمها في بلاد الإغتراب، شعبيّة الطابع، واقعيّة الإتجاه بموضوعاتها اليوميّة، وهي تعتبر بحقّ نواة الشعر العامي لما فيها من خروج على قيود الشعر العاديّة، وقد نوّه بها الدكتور عصام حدّاد، صاحب ومؤسس معهد الأبجديّة في جبيل، في أكثر لقاءاته الشعريّة والأدبيّة، فاعتبرها محاولة جديدة في عالـم الشعر، قام بها الشاعر بعيني بهدف إرساء قواعد الأدب المهجري في أستراليا، بلغة عاميّة سهلة، لبنانيّة الأصل، تحمل كل معاني النغم والرقّة واللطافة التي تشيع في النفس موسيقة صاخبة.
   وأهم هذه الدواوين: مراهقة، الغربة الطويلة، رباعيّات، كيف أينعت السنابل، أللـه ونقطة زيت.. وحين نقرأها نسافر مع الكلمات المنسابة عبر أقنية الشعر إلى عالـم مفعم بالأمن والصفاء، تسوده المحبّة والعدالة والحريّة والإخاء، وهو العالـم الذي تتوق إليه ذات الشاعر، وتصبو في جدليّة تصاعديّة، لتبلغ عالـم الروح، بعيداً عن المادة القاتلة، والحقد المشوّه في مجتمع متداعي الأساس، مقوّض البناء.
   ومعاناة الغربة لـم تغب عن قلب الشاعر، بل خضّبت ذاته بألوانها، وجعلته طائراً يغرّد في حديقة الوجود، يبحث بين ظلال الغربة عن حبّ ضائع وسلام مفقود، فلا يرى إلاّ الأشباح المخيفة تنشب أظافرها الحادة، تنعي رحيل الإنسان، تبشّر باليباس والفناء، فتنداح الصور السوداء، فلا يرى إلاّ الأوديّة وقد ملئت بالجثث المتناثرة، وبقايا اللحود المظلمة، وتتحوّل الرحلة إلى قلق ويأس، ولكن ذلك لا يلبث أن يغيب، فتتجدّد الرؤيا الصافية لتبدّد الغيوم الداكنة، وإذا برؤيا الشاعر المنبثقة من الذات الصامتة، الذات المتجسّدة حباً وحنيناً ذائباً، تتوق إلى الذات الكليّة لتنصهر بها، وتتحد معها في عناق طويل في مسيرة الخلق والإبداع.
   والمجتمع لـم يكن بعيداً عن إحساس الشاعر وقلقه، وقد ساده الجهل والطمع والجشع، وغدا فيه الإنسان سلعة تباع في الأسواق.. يغرق في الطين المحمّى، ينتحب أمام توابيت الأحلام في جزر معزولة، تغطّي شطآنها الصدف والمحار.
   في ارتداديّة هذا المجتمع يعلو نداء شربل بعيني، يحمل في كلماته نفحات تمرّد وثورة على الظلم الإجتماعي، وفقدان العدالة.. يجسّد النزعة الإنسانيّة الشاملة والحبّ المطلق، والبعد عن العصبيّة البغيضة والطائفيّة الممقوتة.. يبحث عن الحقيقة الكامنة في جوهر الوجود.. يفجّر غضبه على التجّار الفاسدين والمرابين، وكل من باع الإنسان والدين، ويدعو إلى إبعادهم من مجتمعنا، لأنهم سبب كل شرّ وفساد وانهيار.
  أخيراً يمكن القول أن شربل بعيني شاعر الحبّ المتجدّد، حبّ مخضّب بدموع التجربة، وألوان الغربة والمعاناة، استطاع أن يصفّي الذات ليصهرها بشموليّة الوجود. حمل في قلبه حبّ الوطن والإيمان بأرضه وشعبه، فهو إن أحبّ كان حبّه صادقاً مخلصاً، وإن غنّى الشعر نفحه في قيثارة عذبة، تنفث الكلمات الرشيقة والمعاني اللذيذة في أسلوب جديد يجعله في مصاف الشعراء الذين يحاولون إرساء قواعد مدرسة جديدة في صياغة الديباجة الفنيّة للشعر العربي في بلاد الإغتراب.
الأنوار اللبنانيّة، الصادرة في 16 أيلول 1994
**