لوحة ناقصة لمهاجر لبناني/ د. سمر العطّار

أديبة سورية مهجرية كبيرة
   تخيَّلتُ شربل بعيني، شاباً في العشرين من عمره يترك قريته مجدليا في شرقي طرابلس تحت جنح الليل متوجهاً نحو بيروت في ليلة باردة من ليالي كانون الأول عام 1971، وفي يده حقيبة سفر، وتحت إبطه علبة بيضاء فيها حذاء جديد لـم يلبس. كان يشعر بمزيج من الرهبة والفرح. لن يطوله أحد في آخر العالـم، فكَّر لبرهة، وأراد أن يضحك بصوت عال، لكنَّه ما أن تخيَّل خوري القرية وهو يطرق الباب على بيته ليلاً ويهمس شيئاً في أذن أمِّه حتى تملَّكه الخوف من جديد.."سيرمونه في البئر" قال الخوري محذّراً.
   وعذَّبته أشباحُ مطارديه، لا لشيء، إلاّ لأنَّه لـم يفهم ماذا فعل. فهو لـم يقتل ولـم يسرق احداً.... "سد بوزك" قالوا في رسالة شفويَّة أرسلوها له مع الخوري.. هذا "البوز" اللعين لكم سبَّب له وللشعراء في بلاده متاعب لا أوَّل لها ولا آخر.
   لماذا يموت وهو في ريعان شبابه؟. تساءل ألفَ مرَّة. لـم يكن قد أتمَّ البكالوريا بعد في مدينة طرابلس. وكان حلمه بأن يدرس الحقوق في الجامعة.. وبأن يصبح محامياً الى جانب كونه شاعراً. فالمحاماة والشعر كانا في نظره متقاربين: كلاهما يدافعان عن الانسان المغلوب، وكلاهما يهاجمان الظلم ويطالبان بالعدالة، تلك التي افتدها كثيراً في بلاده.
   قبَّلته أمُّه على وجنتيه ألف مرَّة. توسَّلَت إليه بأن يهرب، بان يهاجر. أعادت على مسامعه ما قاله الخوري لها.. "لا فائدة يا ابني" شدَّدت على الحروف "لا فائدة".
   وهرب مؤقتاً إلى ضيعة في الجبل.. لـم يرَ أحداً هناك، ولـم يتكلَّم مع أحد.. وتـذكَّر تلك الليلة التي أتى فيها الخوري الى أمِّه . لَكَم كانت نصراً أدبياً له . دعته حركة طلاّبيَّة في طرابلس لإلقاء الشعر .. (وكان قد نشر كتابين "مراهقة" وهو باللغة العاميَّة ، وآخـر "قصائد مبعثرة عن لبنان والثورة " باللغة الفصحى). وقبل الدعوة، وكشاب وسيم في العشرين، وقف أمام حشد كبير من مـحبِّي الأدب ومتعاطي السياســة، وألقى عـدَّة قصــائد بعنـوان "يوميات مراسل أجنبي في الشرق الأوسط" هاجم فيها زعماء لبنان الإقطاعيين. وقوبلت القصائد، لا بالتصفيق فقط، وإنَّما بإطلاق الرصاص.. هذا الرصاص، الذي يطلقونه في لبنان إذا أحبُّوا أحداً أو كرهوه، إذا عبَّروا عن فرحهم أو غضبهم، وكأنَّهم يتسلُّون بدمية.. لـم يفكِّر كثيراً بهذا الأمر تلك الليلة. صحيح أنَّه ارتجف عندما سمع طلقات الرصاص. لكنَّ الفرح كان طاغياً عليه. لقد صار، هو القروي من مجدليّا، محطَّ الأنظار في عاصمة الشمال طرابلس، صار مشهوراً ولـم يتعدَّ العشرين.
لكنّ كلّ شيء تغيَّر عندما طرق الخوري على باب بيته ليلاً، وهمس في أذن أمّه:
سَيَرمونه في البئر، ولن يعثر عليه أحد.
   لَكَم بكت أمّه تلك الليلة.. لَكَم أَلحّت عليه بأن يهاجر إلى أستراليا، بأن يلحق بأخيه في سيدني. لا لَـم يعد هناك فائدة من البقاء في لبنان، قالت له، فلا شيء له قيمة.
في تلك الضَّيعة الجبليَّة، التي هرب إليها، ظلّ يفكِّر طويلاً بحياته وبمستقبله. ماذا يفعل الآن؟ وهل للإنتماء جدوى؟ كلّهم يؤمنون بحلول العنف: الّذين صفّقوا له، والّذين عادوه.
   كان في بيته بنادق ومسدسات، ككلّ بيت قروي في لبنان. وكان أبوه يستخدم السّلاح في الصَّيد. لكنّه هو لـم يجرؤ بأن يلمس مسدّساً أو بندقيَّة. ولـم يكن يهمّه بأن يعيِّره الآخرون بالجبن أو بالخوف، فالحياة البشريّة، في عرفه، لا يمكن أن تقدَّر بثمن.
   لـم يكن اتخاذ قرار بشأن الهجرة من لبنان بالشيء السَّهل. كان يودّ أن يبقى في بلده، أن يُتْرَكَ وحيداً في سلام. لكن أولئك الذين أحبّوه، وأولئك الذين كرهوه، أرسلوا له رسائل متضاربة. وشعر بأنهم لم يفكّروا به كإنسان. كان مجرَّد كرة بين أيديهم. أرادوا استغلال مواهبه أو خنقها. الّذين أحبّوه وضعوا اسمه في برنامج أمسية أدبيّة جديدة. وعندما رفض الإشتراك عيَّروه بالجبن، وقالوا له بأن ليس له مبدأ. والّذين كرهوه ظلّوا يرسلون له التهديد تلوَ التهديد.
   وفكّر بأن يترك المدرسة في طرابلس إلى الأبد ، وأن يعمل في التّدريس الابتدائي. سيعيش منسيّاً في قرية ما، ولن يطارده الأحبّاء والأعداء. لكنّ الحصول، حتّى على وظيفة بسيطة في مدرسة ما، كان لا يتمّ إلاّ بتوصيّة من أحد زعماء المنطقة. ولأنّه لـم يشأ أن يهاجر من لبنان، فلقد حاول عبثاً أن يجد وظيفة في التعليم. وعندما قبلته مدرسة ما، قيل له بأنّه بحاجة إلى توصيَّة من زعيم. فذهب إلى أحدهم. ويبدو أن الزعيم قد فوجىء بسماعه للشاغر الموجود في المدرسة. كان من المفروض ـ في نظره ـ أن يعرف عن كل الشّواغر في منطقته!! ووعد الشّاعر بالمساعدة. ولكن في اليوم التّالي أُعطِيَت الوظيفة لأحد أزلام الزَّعيم.
   لا مدرسة، ولا وظيفة، وأحبّاء وأعداء يطاردونه من كلّ جانب، والخوريّ يطرق الباب على أمّه ويقول لها بأنَّهم سيرمونه في البئر، وأمّه تقبّله ألف مرّة وتتوسّل إليه بأن يهرب. ماذا يفعل الآن هذا القروي من مِجْدَلَيَّا؟ لَكَم كان تعيساً لأنّه وُلِد في بلد إقطاعيٍّ، يحتلّ فيه الناس درجات معيّنة على السّلّم الإجتماعي. وأحلامه عن العدالة ، وعن دراسة القانون، لـم تكن إلاّ أحلاماً غَبِيَّة.
   عندها فقط، بدأ يفكِّرُ جدّياً بأستراليا وبالرّحيل عن لبنان. وكانت أستراليا ـ على الأقل في أحلامه ـ بديلاً عن عالم الإقطاع والعنف.
   وتقدَّم بطلب للهجرة ، وادَّعى بأنّه خيّاط. فأستراليا لـم تكن بحاجة إلاّ للعمّال المهرة. وكان أوّل سؤال سأله موظّف الهجرة الأسترالي أثناء المقابلة الّتي أجراها معه في بيروت:
ـ هل ستحارب في فيتنام إذا ما اضطرّت الحاجة؟
   ولـم يتردد عندما أجاب بنعم. لا لأنّه كان يؤيّد الأمريكيين في حربهم القذرة، بل لأنّه كان يعرف أن الحرب موشكة على الإنتهاء، وبأن الفيتناميين سينتصرون في النهاية.
ـ ماذا تريد أن تفعل في أستراليا؟ سأله الموظّف بفضول.
ـ أريد أن أعمل وأن أبدأ حياة جديدة. قال له.
ـ وإذا ما جمعت ثروة، هل ستعود بها إلى لبنان؟ سأله الموظَّف وهو يتصنّع الإبتسام.
ـ لا، لا، قال "الخيَّاط" المهاجر: سأبقى في أستراليا.. سأصرف ثروتي هناك.
   كان أخوه في سيدني قد كتب له كلّ شيء، قد لقَّنه الأجوبة. هذا "البوز" اللعين لـم يكن حرّاً، لا في لبنان ولا في غير لبنان. على المرء أن يقول دائماً ما يحبّ الآخرون أن يسمعوه. لكنّه، مع ذلك، تخيَّل في تلك اللحظة أنّه صار غنيّاً وحرّاً.
   في مطار بيروت، وقبل أن يتّجه إلى الطائرة، خلع حذاءه القديم أمام موظِّف الهجرة الأسترالي، وأخرج الحذاء الجديد من العلبــة البيضاء التي كان يحملها تحت إبطه. لبســـه بســرعة.. (وكذلك فعل مئات المهاجرين اللبنانيين) ولـم يسأل أحدٌ عن السبب، ولا ما حلّ بمئات الأحذية القديمة في مطار بيروت. هل كان هنـاك قانون أستـرالي يحتِّم على القادمين الجدد من بلاد العالـم، أو من بلاد معيَّنة فقط، بأن يتركوا أحذيتهم القديمة في بلادهم، حتّى لا ينقلوا جراثيم بعينها للعالـم الجديد؟.
   كان على عجلة. ولـم يشأ أن يستفسر عن شيء. أخوه كتب له منذ أشهر: "إشترِ حذاء ولا تلبسه حتّى يراك موظّف الهجرة الأسترالي في مطار بيروت." وسمع نفس القصّة من السّفارة الأستراليّة عندما تقدَّم بطلب للهجرة. كان يفكِّر بالثلاثين ساعة التي سيقضيها بين الجو والأرض، قبل أن يصل إلى سيدني. لَكَم اختار بلداً بعيداً عن العالـم! وانتابه الخوف فجأة.
   وفي مطار سيدني بخّوه كما تُبَخُّ الحشرات. لـم يكن وحده في ذلك، بل بخّوا جميع المسافرين. وهكذا بدأت حياته الجديدة. كان عيد الميلاد على الأبواب. ولـم يكن قد رأى أخاه ولا عمّه المهاجرَيْنِ منذ زمن طويل. أقام بادىء الأمر عند أخيه. وكان قد تزوّج من أستراليّة ذات أصل لبناني، ورزق منها بطفلة. وخلال إقامته مع أسرة أخيه تعلّم الإنكليزيّة لمدّة ثَمانية أشهر، في مركز مخصص للمهاجرين، ووجد عملاً في معمل للحياكة DRI GLO  في FIVE DOCK  ـ سيدني. ولتسعة أشهر عمل من الثالثة بعد الظهر وحتى الحادية عشرة والنصف ليلاً. وابتدأت صورته كشاعر يقف أمام حشد من الناس تختفي تدريجيّاً من مخيّلته. وبالرغم من أنه كتب لمجلّة الدبّور اللبنانيّة، بادىء الأمر، شيئاً عن البلد الجديد الذي هاجر اليه، إلا أن وقته لـم يعد يسمح له بالكتابة الجادة. بالإضافة إلى أنّه وجد نفسه في مجتمع غريب، لا يتكلّم الناس فيه العربيّة ولا يفهمونها. ولـم يكن سعيداً في عمله. وذات يوم أوحت له زوجة أخيه الأستراليّة المولد بفكرة. كانت تستمع ليلاً نهاراً إلى أغنيّة واحدة لفيروز. وعندما سألها عن السّبب، قالت بأنّه لا يوجد غيرها في المدينة. كان في جيبه خمســون دولاراً فقط عنـدما ذهب إلى متجر WALTON في المدينة ، واشترى آلة صغيرة للتسجيل . ومن لبنان وصلته أغانٍ جديدة . فبدأ يسجّلها على أشرطة بطريقة بدائيّة، ويبيعها في الدكاكين العربيّة في منطقة CAMPSIE. ومن هذه البداية المتواضعة نمت شركته "صوت الأرز". ونتيجة لذلك صار المغتربون العرب، لا في أستراليا وحدها، بل في المهاجر الأخرى يستمعون إلى أحدث الأغاني اللبنانيّة.
   ولكنّ الشاعر فيه لـم يكن سعيداً دائماً. فالشِّعرُ والتجارة لا يجتمعان، وان كانت التجارة قد علَّمته كيف يصبح ناشراً وموزِّعاً لكتبه فيما بعد في المهجر. وعندما اندلعت الحرب الأهليّة في لبنان عام 1976، عاد للكتابة وأصدر ديوانه مجانين باللغة العاميّة. وأشرف هو بنفسه على تصوير الكتاب وبيعه في الدكاكين العربيّة التي تشتري أشرطته.
   ولو لـم يكن متفائلاً لترك الكتابة إلى الأبد. لكنّه لـم يرَ نفسه كشبح دون ظلّ في المنفى. كان يعرف أنّه يعيش على هامش المجتمع الأسترالي كمهاجر عربي، وبأنّه يكتب لفئة قليلة جداً من النَّاس، بعضها لا يعرف القراءة والكتابة . ومع ذلك فلقد صمَّم بأن يكتب بالعربيَّة. كان يريد أن يصل صوته من المهجر إلى لبنان، إلى أولئك الذين أطلقوا الرصاص فرحاً في طرابلس، عندما وقف أمامهم كشاب في العشرين، وإلى أولئك الذين توعَّدوه وحلفوا بأن يرموه في بئر القرية. ولـم يشأ أن يكتب لطائفة أو لفئة ما. لـم يشأ أن يؤيّد حزباً ضدَّ حزب. فالإنسان، في عرفه، هو فوق كل شيء: فوق الأديان وفوق الأحزاب.
   وتتالت كتبه في المهجر. ودفع هو من جيبه حتّى تطبع على الآلة الكاتبة، ثمّ تُصَوَّر. إذ ليس في سيدني مطبعة عربيّة تصفّ الأحرف. وظلَّ يسوِّق كتبه ويوزِّعها على الدّكاكين العربيّة القليلة في سيدني وملبورن، حتّى أَلِفَ المغتربون اسمه، وصارت الجرائد العربيّة في أستراليا تكتب عنه، وتجري معه المقابلات.
   ولـم يعد أحد يطارده في المنفى: لا الذين صفّقوا له في طرابلس، ولا الذين توعّدوا بأن يرموه في البئر. ولكنّ شبح البقاء: البقاء في بلد ليس ببلده، وبين أهل ليسوا بأهله، ظلَّ يتبعه ليل نهار. ولـم يخف هذه المرّة، بل صمد في مكانه مصمِّماً بأن يكتب حتّى ولو للأقليّة.
   عندما زارني شربل البعيني مؤخّراً في بيتي، ضحكت معه طويلاً، وأنا لـم أعد أعرف كيف أضحك منذ زمن بعيد. وفي سرّي تعجّبت منه، وأحببتُ براءته الطفوليّة. كان يثرثر بخفّة وطلاقة عن أولئك الذين أرسلوا الخوري لأمّه. كنت أنا أرى أشباحهم السّوداء، وكأنّهم خارجون من توّهم للجحيم، بينما كان هو يرى فيهم دمى ملوّنة من مسرح العرائس، أو خيالات مضحكة على شاشة كراكوز. وضحكت تلك الليلة لضحكه. لكنّ رؤيتنا للأشياء كانت تختلف اختلافاً جذريّاً. كنت أنا أرى العالـم جحيماً لا يطاق، بينما كان هو يرى العالـم مكاناً مشرقاً يمكن أن يعيش فيه الأطفال.
   عندما ودّعته وأغلقت الباب أحسست بأن شربل قد منحني بصيصاً من أمل.
6 آذار 1987
**