الشاعر شربل بعيني نقاهة لمجتمع مغترب/ الاب الدكتور يوسف سعيد

أديب وشاعر عراقي معروف
"إلتقيته للمرّة الأولى في بغداد، في المربد الثامن للشعر، طويل القامة، في بؤبؤيه علامات جرأة أدبية نادرة، صوته عالٍ ليس فيه امتداد، الجملة تأتي شفّافة على شفتيه، وبصلابة يتكلّم، وينتج بسخاء، كأنّه النبي الذي أرسله اللـه إلى شعبٍ، وهو بينهم نذيراً وبشيراً، يعطي دور النقاهة لأولئك المعذّبين في معامل أستراليا، مسحوقين من فرط ضجيج المطرقة والسندان، وضوضاء الآلة، في معامل صناعيّة ضخمة، وهي لا ترحم إطلاقاً، ولا تراعي شعور عاطفة الإنسان، الإنسان، من أي جهة جاء، ومن أي مكان انطلق، وإذا عُدّ الشعراء في أستراليا على أصابع اليد، فشعراء العروبة أقلّ من ذلك بكثير، والشاعر لا يحكم، ولا يعمل بأوامر تصدر إليه، هو الذي يرغم القصيدة أن تخرج من حجالتها، وتعطي قوة، وصلابة، وراحة، لكلّ المعذّبين، لا سيّما عمّال شلحتهم الغربة على سواحلها البعيدة. لا سيّما أستراليا التي التهمت كل المسافات، بعد أن جرّدتهم من اللغة، والتقاليد، والطعام، والعادات. كل شيء لا يشبه لبنان.. من ذلك المنطلق البعيد، صرخ يناغي ويناجي، ويستنجد الطبيعة لا الناس:
خبّيئيني، يا بلادي، تحت شالِكْ
واسكبيني ضوءَ شمسْ
كي أشيل الليل من قلب رجالِكْ
وأقيم كلَّ يوم حفلةً ساهرةً
فوق الحواجز والمعابرْ
وأمام كلّ حبسْ
وعلى وجه الطفولَه
أرسم الحلْمَ المسافرْ
وردةَ حبٍّ خجوله
وأناشيدَ، وهيصاتٍ، وعرسْ..
والشعر عند شربل بعيني، ليس أهزوجة زجل فقط، ولا ذبذبات حفلة فيها روائعه، فهو شاعر، واللغة الزجليّة فيها مسحة من الأصالة، والتجديد، والسمو:
وكنت ع بابِك وقفت سْنينْ
حامل كمنجه وباقة رْياحينْ
تا كيف ما تروحي وتجي ع البيت
غنّي لْعُيونِك أجمل تْلاحينْ
وشربل لا يحتقر نفثات يراعته، وما تنزّ من شفرتيها، يحتفظ بكل شيء، ويقدّمه إلى القارىء الذي يكنّ له كل محبّة ومودة واحترام، وقد جمع كل ذلك في كتب، عليها مسحة من الأصالة، والجودة، والعطاءات الفكريّة الرائعة. وهو إذ يحرّك أقلام المهجريين، يعطينا رسماً آخر، ونكهة أخرى.
وإليكم ثبتاً بقائمة مؤلّفاته: مجانين، الغربة الطويلة، مراهقة، قصائد مبعثرة، إلهي جديد عليكم، مشّي معي، رباعيّات، من خزانة شربل بعيني، كيف أينعت السنابل؟، من كل ذقن شعرة، قصائد ريفيّة، أللـه ونقطة زيت، يضاف إليها ثلاثة أجزاء من شربل بعيني بأقلامهم، لمعدّه الأستاذ كلارك بعيني.
يده تنقل إلينا ما ينسجه عقله، هو المتكىء في مجالس الشعب، ويقهقه على الزمان، وسراجه لا ينضب زيته، ولا تنطفىء فتيلته.
شربل بعيني، يبقى المدماك ، الحجر الذي رفضه البنّاؤون، فأصبح رأس الزاوية، العازف على قيثارته قصائده، ليريح شعباً حذفه الوطن إلى السواحل البعيدة.أكتب، ففي شعرك عزاءٌ تقطف ثـماره من فردوس الروح".
19-5-1988
**
أغلى إنسان
العزيز جداً الشاعر شربل بعيني المحترم
مودة شاعرية طيبة..
تنساب كلماتك بتؤدة فوق طرس الكلمة في جرائد المهجر، أستشف ذلك من جريدة (صدى لبنان)، التي وصلتني. كنت رائعاً جداً، ونفسك الأدبي أصيل، طالع، واكتب، وانشر.
رجاء زودني بدواوينك كي أكتب عليها وعنها ما يريحك ويريحني.
أيامنا في بغداد والمربد، ولقاءات حميمة مع الشعراء لن تنسى إطلاقاً.
حقيبة واحدة لم تصلني بعد، كان من الأجدر أن يرافقني ممثل عن وزارة عن وزارة الثقافة، يظهر أنه نسي، والشحن يكلف، فما كان مني إلا أن أترك حقيبة الكتب عند أهلي.
كيف جاد الحاج، هل لك أن تكتب لي عنوانه، مشتاق أنا إليه، هذا الإنسان الذي يملك طموحاً، ومغامرة استمرارية، بلغه اشواقي وتحياتي، وقل له في الصيف الماضي كنت في بيروت بعد غياب 17 سنة، ولولا وديع سعادة وجو الحاج، لكنت في بيروت كنبي كسيح ومضطهد وغريب، لكنت وحيداً لا يفهمني أحد، سوى هذا القمر وكواكبه، وهذه الشمس. كان كل شيء مغضناً، الطبيعة في لبنان بدأت تشيخ، والخضرة في السنديان بدأت مرغمة تأخذ لون الرماد،، حتى نحن، قل له، إسفنجة الشعر، أبداً لا تتوقف ثقوبها الدقيقة عند امتصاص مادة (التحفّز)..
شربل..
زوّدني بكل مل تكتب.. الشعراء طاقات، كل شاعر يمارس طاقته، ولكنهم إذا التفوا تضاعفت الطاقات عندهم.
حتى نلتقي ثانية لأعانقك وأحبّك يدي في يديك.
ها أنا أستودعك يا أغلى إنسان، واسلم لمن يكن لك كل مودة واحترام.
السويد 14-1-1988
**
تعليق
شربل بعيني، يحبك كلماته كزنار مقتطع من قوس قزح.
وحده يعرف كيف يصنع من ماء السواقي نسج السلسبيل والخرير.
في المربد الثامن، أطلق عقيرته يناجي دماً، ويبارك شعراً.
القصيدة التي قدمها بكل ما تملك في بواطنها من حمم أوقدت ناراً في صف الشعراء.
بعيني.. أنت درّة نادرة الثمن، جاءتنا من لبنان وأستراليا.
المربد ـ بغداد 17-11-1987
**
ذكرى
عزيزي شربل
مودة طيبة رقيقة كرقة عاطفتك.
شكراً ملؤه الامتنان للكتب التي خطتها يراعتك، وارسلتها إلي بمثابة هدية، ستبقى في مكتبتي، قبالة عيني، ذكرى مضمخة بالمحبة.
عسى أن نلتقي ثانية، وثالثة. كما جاءتني رسالة من جاد الحاج مع (الأخضر واليابس).
طياً ديواني الجديد، وسلفاً شكراً لما كتبته عن ديواني في النهار.
دمت مع فائق مودة.
السويد 1-3-1988
**
إهداء
شربل بعيني.. صوت صارخ في برية الشعر، منادياً اجعلوا طريقه  مستقيمة..
مبارك هو شربل الذي هز اليوم ألفي شاعر في مربد بغداد الثامن.
27-11-87
**
دهشة
عزيزي شربل
تأخذك أحياناً دهشة الأشياء المرئية إلى امتدادات بعيدة وعميقة، وتتوارى وراء سجف لامرئية، وعندما تستيقظ لا تجد حولك في هذا العالم سوى (أنت)، وقصيدة قد كتبتها.
كيف تحرك أصابعك؟ وما لون الدم في أصابعك؟
كيف كان وضع دقات قلبك؟
أمور كلياً تجهلها من ذلك الانخطاف، وهذا الذوبان والامتداد المتشح كالضوء شعفات جبل، تأتي أفكارك مجسدة، إذ طالما أنت مصاب بحالات هذا الاختطاف والسقوط في اللاوعي، والانشلاح الكلي عبر دهاليزك المبطنة بدكنة الأسرار، والغموض، والاختفاء، والظهور.
أمور وحالات لا ندركها إطلاقاً، لكننا عندما نستيقظ نحس بهالات جديدة، وقبسات جديدة، ورعشات طارئة. إذاً لماذا لا تحمل مبدأ موهبتك وتكتب؟ إن هذا العالم لا يغذيه سوى قلم ثائر أصيل مثلك. فاكتب، ولتكن شجاعتك كشجاعة قديس أو نبي حاولوا طرده من المدينة، أصرّ على البقاء، فرجموه، فكانت دماؤه جسراً أبدياً للخلود.
أطالع رسالتك، وأقرأ ما كتبته عنك، وكيف شرّحتني فوق مقصلة الأدب أمام صاحب النيافة عبده خليفة، قبّل أياديه عوضاً عني، واطلب رضاه وبركاته.
كتبت آخر قصيدة بعنوان(حافات لأوقيانوس الرؤى) وهي طويلة نوعاً ما، مطلعها:
أستطيع أن أنصب شمعة لتكون صارية
قرب صخور البحار،
ضؤها يفتح أكثر من نافذة
في خاصرة العتمة.
ليتني قرأتها لك، حتماً سنلتقي في المربد التاسع، وعليك أن تراقب وتراجع دعوتك. هل لي أن أقول لك، مدفوعاً من حبي وغيرتي، والتأمل في مستقبلك، سترى ماذا ستفعل الآن. ماذا تكتب. ما ترسم، وكيف تسوح تلك البلاد القصية.
اتصلت مع جاد الحاج وهو في لندن، ووعدني بزيارة السويد، لكنه لم يفِ، معذور، أشغاله أوسع من امتداد البحر. بلّغه سلامي وأشواقي. وآمل في يوم ما أن نجتمع في بلادكم القصية، أنا وأنت وجاد، ونقرأ قصائدنا لباعة التفاح والرمان والسفرجل.
حتماً سأحمل معي ديواني الجديد إلى بغداد لطباعته هناك، وهو بعنوان (بهيموث والبحر)، أو سأختار ديواناً آخر. كثيراً ما أغضب من تلك الكتب فأمزقها، ومع هذه فهي كثيرة والحمد لله.
تحية إلى أدباء أستراليا الذين ترتبط معهم بأصرة، ونسين أن أقول لك أنني زرت إنكلترا للمرة الأولى، ونزلت ضيفاً على صلاح فائق، الشاعر والصديق جداً. كان دفء لندن يريحني، وهناك منعني أن أكتب، وقال لي: عليك أن تلتذ، ومع هذا كتبت أكثر من قصيدة، وستنشر الأولى في الدستور. أرجو أن تطلع عليها عندما تنشر. ما كتبه عني جاد لم ينشر بعد أيضاً.
أنهمك الآن في كتابة دراسة عن دواوين حميد سعيد، ويجب أن أنتهي منها قبل المربد التاسع.
آمل أن أسمع صوتك أيها العزيز مار شربل قديس أستراليا وطيورها الجميلة.
ودمت مع مودة الذي لا ينساكم
5-7-1988
**
إحدى رسائل الأب يوسف سعيد الى شربل بعيني

قرّة عيني
عزيزي وقرة عيني الشاعر شربل بعيني
مودة أدق وأرق من نسائم الصباح.. صباح بلادنا، حيث النسمة الواحدة تجدد فينا إكسير الحياة ولكن..
امتداداً لجسور من حروف الوجع
تمر قوافل غربتي
ويمر معها هودج حريتي
وحده الجلاد
يعي، كيف تسلخ الكلمات
من مستنقع الزمهرير
وتفقأ بمخرز من حديد
عين الحارس الذي يراقب حركات النجوم..
هذا ما كتبته في القطار الطالع من مدينة سودرتالية إلى استكهولم، حتماً سوف أحصد في طريقي أزهار الخريف، أحصدها بمنجل روحي، وأصنع منها إكليلاً وقلادة لعذراء الشعر، الشعر الذي يجسد عاطفتنا، يلوي كغيمة داكنة تطردها رياح الصباح العاتية. المهم أنك تأخذ قفيرة العسل بيديك، وترحل صوب الغابات، لتكتب، أو تتأمل ، والأجمل أن تحلم حلم الفراشات، إن كان للفراشات حلم.
حزين أنا عليها، فعمرها أقصر بكثير من ومضة برق في هذه البلاد، وصيفنا أضيق من حدقات عيون الديكة. السويد أهدافه أن يغرق في حلم سميك سماكة زرقة ماء المحيطات.
كنت أعتقد أنني لم أكتب إليك، وكنت أحس أنني المذنب الذي يطأطىء هامته أمام كرسي الكرادلة معترفاً نادماً، وفوجئت بكتابك تأليف المر وإهداء سخي منك.
كامل المر.. لم يبق له سوى خطوات قليلة جداً ليدخل إلى حانات مارون عبود.. هو مؤرخ لغوي، ولغوي دقيق، يملك عين النسور في بحوثه، تهنئة من أعماق قلبي للمؤلف القيم الذي أطعمنا من موائده مجاناً، ومجاناً أخذتم ومجاناً اعطوا. أكرر تهاميّ. 
كنت في بلجيكا، وتوقفت لمدة 3 أيام في هولندا، عندنا دير سرياني رائع. لم أكتب إطلاقاً، كنت اكتنز، أعبىء أوداجي برائحة أزهار إكسير الشعر.
المؤتمر كان باللغتين الفرنسية والإنكليزية.. كان مملاً نوعاً ما.. وكان عن اللاهوت والأدب السرياني.
توقفت عن تتمة الرسالة، لأن القطار أصيب بهزات أشبه بهزاتنا الخفيفة، هزات العصبية، وويل إذا وصلنا إلى هزات كبيرة، سينطبق علينا جملة من كلام لبنان وشعبه.. بدّي أأوص..
آمل أن نلتقي في يوم ما في إحدى النوادي التي تملكها الجالية لأقرأ شعري، وتقرأ زجلكم الرائع جداً.
بقدر ما يقلص ظل الأدب، بقدر ما تكون هناك حلاوة فيه. والأدباء نادرة هذا الزمان، والقارورة الغالية الثمن.
سنلتقي.. أكتب إليّ.. أنا قصيدة ظمآنة إلى ينابيعك أيها الشاعر الأيل.
دمت مع مودة الذي لا ينساكم.
السويد 22-9-1988
**
نفثات الشعر
العزيز شربل بعيني
مودة من القلب..
عدت من المربد التاسع، بعد أن واكبت مهرجانه الضخم، والتقيت هناك بجاد الحاج على أمل أن نلتقي، ولكننا لم نلتقِ، الوقت وقت شعر، أضيق من فتحات ضوئية في غيمة شتاء يحمل كل كآبة الوقت المحفوف بالمطر، والثلج، والعواصف.
سلّمت ديواني على أمل أن يطبع، واسمه (بهيموت والبحر)، هكذا استوحيت اسمه، وهو يخرج من معمودية مياه الجداول البعيدة قاصداً البحر الكبير. وإذا طبع، فهل ينسى العزيز جداً شربل بعيني، هذا الطائر الذي يقطع الضفاف، ليصل إلى سواحل أوقيانوس الكلمة المجنحة، وليصطاد في قيلولته نسور الحلم، الحلم الذي نمارس شرائعه يومياً.
وصلني، واستلمته مع الشكر والامتنان كتابكم (شربل بعيني ملاح يبحث عن الله) بقلم المحلل الأدبي الأخ محمد زهير الباشا. والكتاب في تحاليله رائع ومشوّق، وأخّاذ، وربما كان مصدر تنفيس للمؤلف الكريم، حاملاً مع شفرتي يراعته غضبه من دنيا يعيشها، ولا يجد من يحترم مقدسات هذا الوطن الكبير الذي أنجبنا. شكراً لكم، وأجزل الشكر للمؤلف الجليل.
أنتم (نقرة) على طبلة الاغتراب، ونبضة مشلوحة على أوتار الكلمة، تعيدوننا إلى عالم واقعنا، ونحن على ضفاف الاغتراب، وشعركم بالعامية أشد فصاحة وتعبيراً من الفصحى. فإذا يمارس الفصحى شعراً، يجب أ، يغرف ليل نهار من ينابيعها التي لا تفيض. إقرأ لي قصيدة لشاعر ما أقول لك كم قرأ.
آمل أن أسمع صوتك، وأن لا يتوقّف صرير يراعتك عن العطاءات.
هذا العالم الكبير ظمآن إلى نفثات الشعر، فقد أتخمته المادة إلى حد القرف.
واسلم لمن يكن لكم كل مودة واحترام.
**
الله ونقطة زيت
ألله ونقطة زيت.. وجدانيات مع وجوديّة صارخة، ونقد لله وليسوع، وللانسان، ولولا نقد عمر الخيّام ما تذوقنا شعره، وتقبلناه بهذه الرحابة العالمية.
تستطيع ان تنتقد الله، وتعارض يسوع، ولكنك لا تستطيع ان تنتقد راهباً او راهبة او قسيساً، رجاء، يا شربل بعيني، حاول أن تبتعد عن ممارسة العنف في قصائدك، لكن أدبيّات الزجل أكثر حريّة من الشعر الكلاسيكي، واللبناني يغرق بحر الله باعتراضاته وشكوكه وتأوهه.
أكتب، أكتب، أكتب، الجالية في كل مكان تتنفس من رئة واحدة، والأديب يتنفس برئتين، ويجعل القارىء يحس بحرية الراحة وهو يلتهم القصيدة في غربته، ولولا الشاعر لكانت سماء الاغتراب بلا مطر، ولا غيوم، ولا سحب. الشاعر وحده يجعل القارىء يحس وكأن السماء قد ازدادت زرقة جمالها، وبانت أخاذة ورائعة.
هل تعلم أن الشعراء سيحكمون العالم في زمن يتعب فيه صوت البندقية، ويختفي من مجالس الناس السيف والخنجر والسكين.
وحده الشاعر يستطيع أن يوحد طبائع الحيوانات في طبع واحد، فينام الدب مع الجمل، والأسد مع الثور.
إذا، مباركة شفرة يراعك، وأرجو لك الاستمرارية، والعطاءات الكثيرة، وأن لا يغريك صوت الدرهم، لئلا يقال عنك ما قاله المعري: وما أشقى من راغب في ازدياد.
صدى لبنان، العدد 593، 26/4/1988
**